تعيش العاصمة السودانية الخرطوم عزلة خانقة بعدما كانت واجهة السودان النابضة بالحياة ورمزها العالمي، إذ تحولت خلال الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 إلى مدينة مغلقة يخيّم عليها الخوف والمجاعة والألغام، حتى وصفتها مسؤولة أممية بأنها "مدينة أشباح".
وفي أحدث الإجراءات، فرضت لجنة أمن ولاية الخرطوم حظراً صارماً للحركة ليلاً، مع تنفيذ حملات تفتيش واسعة على الارتكازات والمعابر الرئيسية، مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى فرض الانضباط خلال ساعات حظر التجوال الليلي الذي يبدأ من الحادية عشرة مساءً حتى السادسة صباحاً. غير أن مراقبين اعتبروا أن القرار يمثل تضييقاً جديداً على المدنيين الذين يعانون أصلاً من القيود والحصار داخل العاصمة.
ويشكو المواطنون في الخرطوم من حملات أمنية متواصلة تنفذها تشكيلات مشتركة من القوات النظامية تُعرف باسم "الخلية الأمنية"، التي أُنشئت في أيار 2024 بتوجيهات من قيادة الجيش في بورتسودان، وسط غموض يلف أهدافها الفعلية.
منذ سيطرة جيش بورتسودان على الخرطوم في آذار 2025، باتت المدينة مستباحة، وفق وصف الناشط السوداني صلاح شعيب الذي أكد في مقال له أن مؤيدي النظام السابق و"دواعش المؤتمر الوطني" يواصلون قتل المواطنين بوحشية، كما فعلوا سابقاً في الجزيرة. وأشار إلى أن مقاطع الفيديو المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي توثق عمليات إعدام ميدانية لشباب عُزل يُساقون إلى الموت بلا محاكمة، في ظل صمت سلطة بورتسودان التي تبارك القتل خارج القانون وتشجع على المزيد من الانتهاكات.
وأضاف شعيب أن ما يجري يشمل استهدافاً ممنهجاً لأبناء غرب السودان وأعضاء لجان المقاومة والمشرفين على التكايا، الذين يتعرضون لحملات اغتيال موثقة "على الطريقة الداعشية"، ينفذها الجناة دون خشية من أي ملاحقة محلية أو دولية.
وفي هذا السياق، أكدت الأمم المتحدة وقوع عمليات قتل خارج إطار القانون على نطاق واسع في الخرطوم بعد استعادة القوات المسلحة السودانية السيطرة على المدينة في 26 آذار الماضي. وأعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن "فزعه الشديد" إزاء التقارير الموثوقة التي تشير إلى إعدامات ميدانية بحق مدنيين يُشتبه بتعاونهم مع قوات الدعم السريع، مؤكداً أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني، ومشدداً على ضرورة محاسبة المسؤولين والمنفذين على جميع المستويات.
وأوضح تورك أن مفوضيته راجعت مقاطع فيديو مروعة صُورت في جنوب وشرق الخرطوم، أظهرت عمليات إعدام نفذتها القوات المسلحة السودانية وعناصر من الأجهزة الأمنية وميليشيات مرتبطة بها. وأشار إلى مقتل ما لا يقل عن عشرين مدنياً بينهم امرأة في منطقة جنوب الحزام على يد تلك القوات، محذراً في الوقت نفسه من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف عبر الإنترنت، حيث جرى تداول قوائم تضم أسماء أشخاص متهمين بالتعاون مع الدعم السريع، ما أدى إلى استهداف جماعات إثنية من دارفور وكردفان بشكل متزايد.
ورغم تصاعد الدعوات الدولية والإقليمية لوقف الحرب بعد أكثر من عامين على اندلاعها، رفض قائد الجيش في بورتسودان عبد الفتاح البرهان مقترح الهدنة الأخير، متعهداً بمواصلة القتال حتى الحسم العسكري. وكشفت مصادر إعلامية أن البرهان طلب من الإدارة الأمريكية تسمية تركيا وقطر كوسيطين في المفاوضات، في خطوة رأى مراقبون أنها محاولة للالتفاف على المساعي الأميركية لإنهاء الحرب، فيما يرجح آخرون أن الإسلاميين في السودان يقفون وراء هذا المطلب سعياً لإطالة أمد النزاع.
ويرى ناشطون أن ذهنية الحرب الممتدة منذ انقلاب عام 1989، الذي قادته الجبهة الإسلامية القومية، ما تزال تحكم المشهد في السودان. ووفقاً للناشط إبراهيم هباني، فإن "المشروع الإسلامي في السودان منذ عقود يعمل على تقويض الدولة وتبرير الحروب، رافضاً كل مبادرات السلام من جدة إلى الإيغاد والاتحاد الإفريقي وسويسرا والرباعية الدولية"، مؤكداً أن خطر الإسلام السياسي بات يهدد ليس السودان وحده، بل فكرة الدولة الحديثة نفسها.
وفي الإطار ذاته، حذر الباحث حافظ يوسف حمودة من أن الانخراط الواسع للجماعات الإسلامية المتطرفة في المشهد السوداني يشكل خطراً مباشراً على البلاد، من خلال إطالة أمد الحرب وتحويل السودان إلى قاعدة لتجنيد المتطرفين إقليمياً، ما يجعل أمن المنطقة بأكملها عرضة لهزات عنيفة. وأوضح أن تغلغل الحركة الإسلامية السودانية في مفاصل الجيش والمؤسسات الأمنية منذ انقلاب 1989 أعاد بناء هذه المؤسسات على أسس أيديولوجية متشددة، مشيراً إلى أن ظهور مقاتلين سوريين في صفوف القوات التي تحارب الدعم السريع يعكس قبولاً متزايداً للعناصر الجهادية العابرة للحدود، وهو ما يرفع خطر تدويل الحرب وتحويل السودان إلى وجهة جديدة للمقاتلين المتطرفين.
وختم حمودة بالتحذير من أن استمرار دعم الإسلاميين أو التغاضي عن نشاطهم داخل مؤسسات الدولة سيقود إلى تفاقم المعاناة الإنسانية واستمرار عدم الاستقرار، في وقت تتسع فيه دائرة العنف والانتهاكات داخل السودان يوماً بعد آخر.























































